( ثقافة تشييع الجنائز )
كتبهاعـبـدالله بـيـلا ، في 6 نوفمبر 2009 الساعة: 12:19 م
( ثقافة تشييع الجنائز )
عُدتُ لتويّ من تشييع جنازةِ والدةِ أحد الأصدقاء وقد صلينا عليها في الحرم المكي ثمّ شيّعناها إلى مقبرة المعلاة
وسألنا الله تعالى لها الرحمة والمغفرة.
ولكنّي اصطدمتُ بالكثير من التساؤلاتِ المُحرجة ونحنُ نحملُ الجنازةَ من داخلِ المسجدِ الحرام حتى وصولنا إلى المقبرة,وهي بالنسبة لي تساؤلاتٌ جديرةٌ بالمناقشةِ والوقوفِ عندها كثيراً .. فمثلاً .. بعد أن وصلتُ للمسجدِ الحرام وصليتُ المغربَ ثمّ أتبعته بصلاةِ الجنازةِ على الفقيدة .. وما أنِ انتهتِ الصلاةُ حتى بدأ الهرجُ واللغَطُ في طريقةِ حملِ الجنازةِ وانطلقَ الجميعُ في سرعةٍ مهولةٍ لالتقاطِ النعشِ من الأرض والدخولِ به في زحمةِ الحجيجِ والمعتمرينْ مما سبّب إرباكاً كبيراً للجميع خاصةً وأنّ المسجد الحرام قد امتلأَ بالحجيجِ والزوار وانسدّتْ بهم الطرُق والأروقة ..واستمر اللغطُ وارتفعت الأصوات ومال النعشُ أكثر من مرة حتى خشيتُ على الجنازة من السقوط .. ولكنّ الله سلّمْ وخرجنا بالنعش من المسجدِ الحرامْ من جهةِ المسعى .. وكنتُ أتوقَّعُ أنّ النعشَ سيجد سيّارةُ تُقلُّهُ إلى المقبرة ولكنْ للأسف استمرَّ حملُ النعش بذاتِ الطريقةِ وبذاتِ اللغطْ وتداخلتِ الأيدي والأقدام ومرةً يُذهبُ بالنعش ذاتَ اليمين وأخرى ذاتَ الشمال,لمسافةٍ تقتربُ من الكيلو متر أو تزيد قليلاً,وبسرعةٍ فائقةٍ يعجزُ معها حتى بعضُ ذوو الميّتةِ من إداركها !!
فهل هذه هي سنةُ الإسلامْ وتعاملهُ مع الميّتِ في آخر لحظاتِ جسده في الدنيا؟!
عموماً استمرتِ المحنةُ التي أوقنُ تماماً بأنها لن تُرضيَ المحمولةَ على النعشِ أبداً وأنّها ربما سبّبتْ لها من الألمِ ما لا يشعر به الأحياء .. وعند وصولنا لمقبرة المعلاة تمّت الصلاةُ عليها مرةً ثانية من الذين لم يُدكوا الصلاة عليها في المقبرة ثمّ حُمِلت بذاتِ الطريقةِ العشوائيةِ وبسرعةٍ أكبر ..
حتى وصلَ النعشُ لمستقره وتمّت عمليةُ الدفنِ سريعاً ..
بينما كان أحدُ أبناء الفقيدةِ في حالةٍ هستيريةٍ من الحزنِ والبكاءِ المُر .. وأحدُ المتطوعين يقفُ على رأسه ليصب عليه كلاماً فارغاً ويقولَ له ( لا تبكِ عليها أبداً,البكاءُ سيكونُ سبباً في عذابِها) .. طبعاً هذا المتطوع المسكين لم يقف في نفسِ اللحظةِ على ميّتٍ له لذلك فهو يتكلم هكذا بكل صفاقةٍ ووقاحةٍ دون احترامٍ للموقفِ ومشاعر الإنسانِ المكلوم.
هذا ما يحدُتُ عندنا بمكة ولا أدري عن بقية المدنِ الأخرى .
تساؤلاتي هي .. لماذا لا تُخصّصُ للجنائز مسارات محددة في المسجد الحرام للدخولِ والخروجِ بعيداً عن اللغطِ وإزعاجِ المصلينَ والزوار ؟
لماذا لا نستشعرُ هيبةَ هذا الموقفِ وجلالَ هذه اللحظات حين نحملُ النعشَ على أكتافِنا
ونكونَ أكثرَ تحضُّراً ورُقياً في حملِ النعوش,ولماذا تحترمُ طقوسُ بعضُ العقائدِ الأخرى الجنازةَ أكثرَ منّا نحنُ المسلمون؟ألا نرى كيف تُحترمُ الجنائز وتُحملُ بكلِّ وقارٍ وسكينة ولا نكادُ نسمعُ همساً ولو بسيطاً في موكبِ الدفنِ المُطرقِ بكل جلالٍ وخشية ؟!
قد يقولُ قائل نحنُ نُسرعُ بها تنفيذاً لحديث أبي سعيد الخدري في الصحيح (أنّ الجنازة إذا وضعت على السرير وكانت صالحة قالت قدموني قدموني واذا كانت غير صالحة قالت ويلي أين تذهبون بي..)
وهذا هو الفهمُ الشكليُ الخاطئُ لأحاديث النبي (ص) إذ ليس المراد الإسراعُ بها بهذه الطريقةِ المُخجلة التي تُمارسُ عندنا,لأنّ الإسراعَ هنا موقوفٌ على معرفةِ ما إذا كانت الجنازة تدعو إلى الإسراع بها أو تدعو لتأخيرها ومن هو الذي يزعمُ بأنّه سمعَ نداءَ الجنازةِ له بتقديمها أو تأخيرِها..؟! ولو كان الأمر كما يظنون لما تأخرتْ جنازةُ النبي (ص) أكثر من يومٍ كامل قبل دفنِها .. فأين التعجيلُ بها هنا إنْ كان المقصودُ بها الصورةَ التي نراها الآنَ في حاضر جنازاتنا؟!
وأين هي هذه الصورة المحترمة التي ينقلها لنا شوقي لموكب الجنازةِ وبهائها وجلالها :
خرجَ القومُ في كتائبِ صُمٍّ عن حفاظٍ كموكبِ الدفنِ خرسِ! ؟
ثمَّ لماذا لا نستفيدُ من التطوراتِ التي جادتْ بها الحضارة وتحديداً في استخدامِ السيارات الخاصة بالتجهيز والاستغناءِ عن حملِ النعوشِ على الأكتافِ لمسافاتٍ طويلةٍ مُنهِكة وما إنْ يصلَ حاملوها حتى تخور بهم القوى وينقطع بهم النفَسْ بعد الجُهدِ المُضني الذي كابدوه في حملِ الجنازةِ والسعيِ بها !
وهل يقتصرُ أجرُ اتباعِ الجنازةِ فقط في المشي بالأقدامِ خلفها أم أنّه ينسحبُ على أيِّ نوعٍ من أنواعِ الاتباعِ المتماشي مع العصر ؟
أظنُّ بأنّ الله تعالى أكرمُ وأجودُ مِن أنْ يحصرَ الأجرَ في طريقةٍ واحدة لا تختلف ولو اختلف الزمن والحال .
وأتساءل لماذا يتجرأُ البعضُ على الفُتيا وتحريمِ ما لم يحرمه الله خاصةً في مواقف خاصةً تستلزمُ المواساةَ والعزاءَ للمكلومين ، وليس صبَّ فتاوى تحريمية بدون برهانٍ أو دليل ..؟
ومن هذا الذي يملك حق حرمانِ دمعةٍ من النزولِ وتطهيرِ النفسِ في ساعةٍ كهذه؟
وهل هذا المُفتي بحرمةِ البكاء أفضل من نبينا محمد (ص) الذي بكى وانهمرت دموعهُ على موتِ ولده إبراهيم (ع) ؟
ألسنا جديرين بترسيخِ ثقافةٍ جديدةٍ للجنازةِ وتشييعها خاصةً في مكة المكرمة التي يفدُ إليها الناسُ من كل البقاع ويشاهدون هذه المناظر الغريبة والتي لا تتعلق بالدين بأيةِ شعرة ؟
أتمنى أن نكون أكثر رُقيّاً في التعاملِ مع الموتى .. لأننا سنكون قريباً على ذاتِ النعش ..
فهل نرضى لأنفسنا هذه المناظرَ والحالاتِ المؤسفة ؟!
الجمعة 18/11/1430هـ 6/11/2009م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غربةُ المـقــال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج





























نوفمبر 14th, 2009 at 14 نوفمبر 2009 9:33 ص
كنت هنآ وفي متصفحك ليس غريبً من إنسان بمكانتك<~
هذا الكلام : أحسنت قولً ونتمنى بأن يحستوا هم فعلآ..
أدرجت كل ماكان يجول بخاطري..
مناظر والله وللأسف مخزية أحيان تقع أعيننا عليها..
والطامة الكبرى التي أكبر من الشيخ الذي يفتي بأن البكي على الميت يعذبة في قبرة..!!
هي إن أحيان وبعض الأوقات في قبيلتنا يمنعون دخول النساء على الميت بحجة إن المرآة تنجس الرجل من طهرة ,,!!!!
والطامة العضما أن البعض منهم يمنعون حتى بنات الفقيد من الدخول عليه حجة بأنهم سيبكونه بصوت عالي وهوا سيتعذب..
فوالله والله لم أرى من أبي إلا جبينه حين توديعة يا أستاذ
والسبب هي هذه الحجج التي لاتمتلك لاذمة ولا ظمير..
وردة لقلمك وخمس نجوم كتقيم لموضوعك الرائع..<~
نوفمبر 18th, 2009 at 18 نوفمبر 2009 1:29 م
القديرة / نادية هزاع
أولاً رحمةُ الله تعالى على والدك وإن شاء الله يكون اللقاء في الجنة .
ثانياًَ أود أن أشكرك على إطلالتك البهية على الموضوع وإثرائك له بطرحك الواقعي الذي ينتمي لمشكلة شخصية عايشتيها ..
وأتساءل إلى متى سيظل الحكمُ لدينا هو العادةُ والعُرف الاجتماعي حتى لو كان نقيضاً للإسلامِ وأخلاقه التي دعا إليه؟
ما حصل لكِ مؤسفٌ ومؤلم خاصةً في هذه الحظات التي يجب فيها أن تكونَ الغلبةُ للعواطف فقط ..
وأستغرب بشدة أن يكون في هذا الزمن من ينظر إلى المرأة
هذه النظرةَ الشيطانيةَ الدونية ..
ولكنْ سيتغير كل شئٍ في المستقبل بإرادتنا أو بغيرها لأنّ العالمَ لا يستقيمُ على قدمٍ واحدة .
تقديري الكبير لكِ ..
وتحياتي