- العـقـلُ .. صنيـعةُ السياسة -
كتبهاعـبـدالله بـيـلا ، في 10 نوفمبر 2008 الساعة: 16:40 م
- العقلُ .. صنيعةُ السياسة –
أكتبُ هذه المقالة صبيحةَ الأربعاء(5-11-2008م)عشيّةَ فرزِ أصواتِ الناخبين الأمريكيين لاختيار الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية،بين مرشّحَي الحزبين الجمهوري والديموقراطي السيد(جون ماكين)والسيد(باراك أوباما)،تلك الانتخابات التي أجزمُ بأنها الأخطرُ والأهم على مستوى العالم أجمع،والأكثرُ جذباً للأنظار في العصر الديمقراطي الحديث،طبعاً لتعلُّقها بسياسةِ أعظمِ دولةٍ في العالم أو كما يحلو للبعضِ أن يسميّها ( شرطيّ العالم) .
كذلك تنبع أهميةُ هذه الانتخابات مِن كونها تشكّل مخرجاً للعالمِ أجمع من كثيرٍ من مآزقه المتتابعة التي وقعَ فيها بسبب سياسات الرئيس الأمريكي (جورج بوش الإبن) الغير متعقِّلة،سواءً في الداخلِ الأمريكي أو الخارجِ الدولي،بدءً بغزو أفغانستان وإتباعها بالعراقِ ورميِ القضيةِ الفلسطينية في سلة المهملات،ومروراً بفتحِ ملفاتِ التسلّح النووي من جديد وإعادته إلى ساحة الأحداث وإيقاظِ شرارتِ الحربِ الباردةِ من جديد وتحديداً نصب الدروع الصاروخية في دول شرق أوروبا بالذات،والتنصُّل من التوقيعِ على اتفاقيات حمايةِ البيئة,وتدنّي مستويات الحريةِ الحقيقية وحقوق الإنسان في السياسة الأمريكية في عهد (الإبن بوش )..
وربما انتهاءً بنهاياتٍ لا يمكنُ لأحدٍ أن يتنبّأَ بها كالأزمةِ المالية العالمية الراهنة.
كلُّ هذه الإشكالات وغيرها ربّما شكَّلَتْ ضغطاً رهيباً على الناخِبِ الأمريكي وغيّرَتْ الكثيرَ من قناعاته ورؤاه،لينظر بعد ذلك إلى العالمِ كُجزءٍ منه لا ككائنٍ منفصلٍ عنه،وربما كانت مُفردةُ التغيير(change) التي حملتها رياحُ الحملة الانتخابية للديمقراطي (باراك أوباما) إلى كلِّ ولاياتِ أمريكا الشاسعة وكلّ بيوتها،ومِن ثمَّ إلى كلِّ العالم .. ربما كانت هذه المفردة واسطةَ العقدِ في هذه الانتخابات التي أجزمُ أنها فتحتْ للمواطِن الأمريكي وللعالمِ بأسرِه نوافِذَِ الأملِ الذي يحدوه العملُ المُخلِصُ المُتقَنْ .
ولِذا فلا غرابةَ مِن أنْ تخرج كلُ هذه الأعداد الغفيرة في القارة الأمريكية من الناخبين ليُدلوا بأصواتهم لكِلا المُرشَحَين,وذلك لأنّ حجم المسئولية لدى الناخِبِ الأمريكي أصبحتْ أكبر مِن أيِّ وقتٍ مضى(خاصةً الديموقراطيين) وذلك لأنّ الأمريكي أصبح يرى إلى العالم كما يجب أن يراه.
ربما كانت هذه الانتخابات مِن أكبر محاسِنِ أمريكا وأهمِّ دروسها المجانية التي قدّمتها للعالمِ وتحديداً (العالم العربي)على طبقٍ من حرية .
أتساءل:هل يتذكّر الأمريكيون الآن أنّ الملونين وذوي الأصول الأفريقيةِ تحديداً كانوا يُعامَلُونَ قبل بضعةِ عقود( في الستينيات من القرن الماضي أي قبل خمسين سنةً تقريباً ) مُعاملةً تنزلُ بهم
إلى أقلّ درجةٍ من الحيوانات .. وأنَّ هذه العبارة ( ممنوع دخول الكلاب والسود ) كانتْ تُعلَّقُ على أبوابِ أكثرِ الحاناتِ والنُزُل والمقاهي.. بل حتى الأرصفة بعضُها خاصةٌ للبيضِ فقط
ولا يحقُّ للأسودِ أن يسير عليها بل عليه أنْ يلزمَ الشارعَ حتى ولو أدّى ذلك إلى أنْ تختطفه سيارةٌ عابثةٌ تُريحُه مِن ألمِ الحياة ؟؟!!
نعمْ ..أظُنُّ أمريكا تتذكرُ ذلك .. ولهذا فإنها تفعل اليوم ما بوسعها لتنقيةِ العقليةِ الأمريكية من رواسب فترةِ العنصريةِ السياسيةِ الاجتماعية،وهي بلا شك صنيعةُ السياسةِ آن ذاك .
ولكنْ .. كيف استطاع العقلُ الأمريكي الذي كان يُنزِلُ الملوّنين (السود خاصةً) منزلةً أدنى من البهائم،كيف استطاع هذا العقل أن يرتقي بفكره إلى مرحلةِ الانتماء الإنساني الوجودي الذي
لا يفصل بين جسدِ الكونِ ورأسه حتى وإن تمايزتْ ألوانُ أعضائه .
أليس هذا النجاح نتاجاً لسياساتِ الإصلاح الفِكري السياسي التربوي التعليمي الإعلامي الأدبي
السلوكي …طبعاً مع عدم جحد دور الثوراتِ الشعبية ضد العنصريةِ التي قادَها بعضُ رموزِ الأمريكيين السود كــ (مارتن لوثر كينج) وغيره من المناضلين .
هذه الجهود مجتمعةً هي التي قادت أمريكا إلى صدارة العالمِ في ميدانِ الحريات الشخصية وحقوق الإنسان ( وخاصةً الأمريكي) ،وهي التي استطاعت أن تغيّر نمطية العقل وجموده إلى الحركيةِ الواعيةِ المُنتجة .
وهنا على الطرفِ الآخَرعلى من سيقع اللومُ في الوطن العربي تحديداً وحكومات العالم الثالث؟!
أليست تلك الأمراض مِن إنتاجِ السياسةُ وأليست تعمل على استفحالها في العقلِ (العالِث)،وخصوصاً أدواء الفخرِ والعنصريةِ الموجّهةِ والمُضادةِ التي تعطي الجهلَ مساحةً أكبر في تركيبةِ العقلِ البشري،وتُقوِّضُ بناءَ الحضارةِ والرُقي بمعناه الذي يخرجُ من حيّزِ الكلامْ واجترارِ الآثار،إلى فضاء العملِ والممارسةِ الصحيحةِ على أرضِ الواقِع؟
أتساءلُ:هل نستطيعُ أن ننفيَ عن مجتمعاتنا العربيةِ تُهمةَ الرجعيةِ الفِكريةِ والثقافيةِ والأخلاقيةِ أحياناً؟وهل نشكُّ في أنّ مجتمعاتنا تعاني الآن موتاً سريرياً قد يكون من الصعب عليها معاودةُ الحياةِ مِن بعده؟!
طبعاً الكثيرون سينفون هذه الاتهامات،وهذا سرُّ استفحال المرضِ وكونِه داءً أصيلاً يصعب اجتثاثُه من جذوره في العقلية العربيةِ الراهنة .
وعندما تعترف أمريكا بأنها كانت مريضةً مِن قبلُ فهي بهذا الاعتراف تُعطي الصلاحيةَ الكاملةَ
للطبيب لاستئصالِ أمراضِها المُزمِنة،وقيامتِها مِن جديد بهيكلٍ يحملُ ذاتاً أكثر آدميةً مِن قبل .
حتّى ولو سبّب هذا العلاجُ آلاماً شديدة واحتوى تنازلاتٍ كثيرة.
هنا .. منِ المستفيدُ الرئيسُ مِنْ تجميدِ العقلية العربيةِ على ما هي عليه مِن رجعية؟
من المستفيدُ من الحجر الفِكري والإعلامي والثقافي والروحي الذي يُمارَسُ في البلادِ (العالِثة)
بحُججٍ تختلفُ مِن مرحلةٍ إلى أخرى ومِن قُطرٍ إلى آخر .. ولكنّها تتفق جميعاً في هدفها الضبابي؟
هل بمقدور سياسات الحكومات -العربية تحديداً- أنْ تغيّر نمطيةِ تفكير العربي متى ما أرادت؟
وعلى فرضيةِ استطاعتها لماذا لم تحاول إلى الآن إصلاح العطب الكبير في العقل العربي؟
كثيرٌ من الكتاب العرب راهنوا على استحالة فوز السيد(باراك أوباما) برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية،وهم في رؤيتهم هذه يصدُرونَ مِن وجهةِ نظرٍ (أصوليةٍ جذورية) فرَضَها العقلُ الجامد
وأرادوا أن يحكموا على توجّهات الناخِبِ الأمريكي بذاتِ العقليةِ الجامدة وذاتِ الرؤيةِ الضيقة..
جاهلينَ .. أو متجاهلين لأنّ الفِكرَ الأمريكي(العقولي الواقعي) قد سبق الفِكرَ (الأصولي الجذوري) بملايين السنواتِ العملية.
لأننا هنا بين فكرَينِ يتكئُ أحدهما على أصلِ الفردِ وعُنصُره كأحد أهم أسباب النجاحِ والمجد.
بينما العقلُ والمعرفةُ هما جسرُ الخلوص الوحيد المؤدي إلى النجاحِ والمجدِ في الرؤيةِ المُقابِلة..
إذاً أيّ الرؤيتين أولى بالتبني فِكرياً واجتماعياً وأخلاقيا ؟!
فقط .. حينما تكون عندنا الجُرأةُ على الحياةِ بشكلٍ صحيحٍ تحت أشعةِ الحق..
وحين تكونُ عندنا الشجاعةُ على الاعترافِ بأخطائنا السابقة..
سنكونُ يوماً ما أفضلَ مِن أميركا .. عدلاً ومساواةً وحريةً وحقوق إنسان وريادةً للعالمِ كلّه .
قفلة:
(العقلُ .. صنيعةُ السياسة ..والسياسةُ صنيعةُ الأطماعِ والمصالح )
عبد الله بيلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غربةُ المـقــال | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























